فصل: مسألة الحبس يحبسه الرجل على ولده ويقول إن تزوجت امرأة فلا حق لها:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة الحبس يحبسه الرجل على ولده ويقول إن تزوجت امرأة فلا حق لها:

وسئل مالكٌ عن الحبس يحبسه الرجل على ولده ويقول: إن تزوجت امرأة فلا حق لها، قال: إني لأكره هذا من العمل، قال عيسى: قال ابن القاسم: وأنا أكره ذلك، فإن كان صاحب الحبس حيا رأيت أن يفسخه ويجعله مُسْجَلا ولو مات صاحبه حتى ينفذ ذلك لم أَر للقاضي أن يفسخه لم يكن قول ابن القاسم في رواية سحنون وأنكره ولم يعرفه.
قال محمد بن رشد: قد مضى الكلام على هذه المسألة في أول رسم من السماع فلا معنى لإِعادته وبالله التوفيق.

.مسألة حبس دارا له حبسا في ثلثه لم يجعل لها مخرجا:

ومن كتاب أوله الشجرة تطعم بطنين في السنة:
وسئل مالك عن رجل حبس دارا له حبسا في ثلثه لم يجعل لها مخرجا فكيف ترى أن تقسم؟ قال: أرى أن تقسم على ذوي الحاجة، قيل فإن له ولد محتاجين وأغنياء أفترى أن يعطوا منها؟ قال: لا، ولكن أرى أن يعطي المحتاجين منهم منها مع غيرهم من المحتاجين.
قال محمد بن رشد: مثلُ هذا في المدونة وفي رسم لم يدرك من سماع عيسى أن من حبس حبسا ولم يجعل له مخرجا فسبيله أن يكون حبسا على الفقراء والمساكين، وقوله في الدار المحبسة على هذا السبيل إنهَا تقسم على ذوي الحاجة، يريد يُقْسَم سُكْنَاهَا عليهم، ومن حصل في مسكن منها لم يخرج منه لغيره إِلَّا أن يستغنى، وقوله: إنه يعطي ولده المحتاجون منها مع غيرهم من المحتاجين صحيح؛ لأن الميت لم يُوصِ بذلك فتكون وصيته لوارث، وإنما هذا أمر يفعله الناظر في تنفيذ الوصية باجتهاده، وسواء كانوا يوم أوصى بالتحبيس محتاجين أو أغنياء ثم احتاجوا بعد ذلك لأنها إنما ردت إلى المساكين بالحكم فوجب أن يستوي في ذلك ورثته وغيرُهم، كمرجع الحبس، ولو أوصى بِتحبيسها على المساكين لكان الحكم في ذلك حكم من أوصى بصدقة ثلث ماله على المساكين فلم يقسم حتى افتقر بعضُ ورثته أو كانوا فقراء، فقال مطرف: إنهم يعطون من الثلث في الحالتين، وقال ابن القاسم في رواية أصبغ عنه: إنهم لا يعطون من الثلث شيئا في الحالتين أيضا، وفرق ابنُ الماجشون بين الحالتين فقال: إن كانوا يوم أوصى مساكينَ لم يُعْطَوا منه؛ لأنه أوصى وَهُوَ يعرف حالهم، فكأنه قد أزاحه عنهم، وإن كانوا يوم أوصى أغنياء ثم افتقروا أُعْطُوا منه.
ولو حبس في صحته أصلا يجري غلته على المساكين لأعطى ورثته الفقراء منه، كانوا يوم مات أو يوم حبس فقراء أو أغنياء ثم افتقروا بعد ذلك، حكى ذلك ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون، وقالا: إن بذلك حكمت القضاةُ يرى مالك وغيره من الفقهاء غير أنهم لا يعطون جميع غلة الحبس مخافة أن يدرس شأنه وينقطع التحبيس منه، ولكن يبقى منه سهم يجري على المساكيِن ليبقى بذلك اسمُ الحُبُس ويكتب على الورثة كتابٌ بأنهم إنما أعطوا منه على المسكنة والحاجة لا على أن لهم فيه حقا دون المساكين وبالله التوفيق.

.مسألة الرجل وأهله هم المنتسبون من الرجال والنساء إِلى من ينتسب إليه:

وسئل مالك عمن حبس على رجل وعلى أهله أوْسُقا مسماة من حائط، فهلك رجل من ولد ذلك الرجل الذي حبس عليه وعلى أهله، وولد ولد لم يكن حيا في حياة الجد يوم حبس عليه، أترى أن يدخل في الصدقة؟ قال: نعم، هو من أهله.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الرجل وأهله هم المنتسبون من الرجال والنساء إِلى من ينتسب إليه فولده وولد ولده من أهله وهُم غيرُ معينين فيدخل فيما حبسه عليهم من كان حيا يوم القسمة وإن كان ولد بعد التحبيس، ولا خِلَافَ في هذا، كما أن من حبس على ولده فيدخل في حبسه من ولد من ولد ولده بعد التحبيس وإن سفُلُوا، وقد مضى في صدر أول رسم من هذا السماع الكلامُ على الآل والأهل فلا معنى لإِعادته وبالله التوفيق.

.مسألة من حبس أو وهب أو تصدق ليس له أن يرجع:

وسئل عن رجل أسكن رجلا بيتا له ولعقبه ما عاشوا وما عمروا فيه من شيء فهو لهم، فأراد الذي أسكنه في ذلك أن يرجع أترى ذلك له؟ قال: لا، ثم قال أخذ على ذلك ثوابا؟ قال: لا، وكان في كتاب سكناهم ابتغاء وجه الله، قال: لا أرى ذلك له، فقال له منذ كم كان؟ قال: منذ سنين، قال ليس ذلك له.
قال محمد بن رشد: ليست هذه المسألة في كل الروايات، وهي مسألة صحيحة لا اختلاف في المذهب في أنَ من حبس أو وهب أو تصدق ليس له أن يرجع عَنْ ذلك، ويحكم به عليه وإن كان لم يقبض منه إن كان لمعين باتفاق، وإن كان لغير معين فعلى اختلاف، والقولان في المدونة على اختلاف الرواية فيها، والإِسكان في هذه المسألة لمعين، فلا اختلاف فيه، والسؤال إنما هو هل له أن يرجع فيه ما لم يقبض منه، إذ من أهل العلم من يرى أَلَّا يُحكم به عليه ما نم يقبض منه، وأما إذا قبض منه فلا كلام فيه، وإنما سأله هل أخذ في ذلك ثوابا؛ لأنه لو أخذ في ذلك ثوابا اشترطه لكان بيعا فاسدا يجب فسخه وبالله التوفيق.

.مسألة الثمرة لا تجب للمحبس عليهم إلا بالطياب:

ومن كتاب طلق بن حبيب:
وسئل عن قوم حبست عليهم ثمرة يجري عليهم في كل عام، فبلغت الثمرة الإِبار فأبَّرُوها ثم ولد لرجل منهم بعد الإِبار ولد فلما حضر القسم قال أنا أريد أن آخذ لولدي، وكان ممن أدخل في الصدقة، قال ذلك له يأخذ بقدر ما جعل له فيه.
قال محمد بن رشد: هذا على القول بأن الثمرة لا تجب للمحبَّس عليهم إِلاَّ بالطياب، وهو أحد القولين في رسم اغْتسل، وعلى القول الثاني فيه أنها تجب لهم بالإِبار إذا كانوا هم قد سقوا وأبروا، لا يكون لمن ولد بعد ذلك فيها حق، وقد مضى تحصيل الاختلاف في ذلك هنالك موعَبا مستقصى، فلا معنى لإعادته وبالله التوفيق.

.مسألة يشتري من المرأة ما أمنعها إياه حياتها:

قال ابن القاسم وسئل مالك عن رجل كانت عنده امرأة وأنه اشترى متاعا من متاع البيت من نحاس طست ومهراس وغيره، وأشهد لها أنه لها حياتَها تستمتع به، ثم إنه فارقها وخاف أن تُبْدِلَهُ وتأتي بغيره، فأردت أن أزنه عليها، قال: الوزن يختلف وينقص، لا أرى ذلك، ولكن أكتب صفته وأشهد على معرفته وأنقش فيه إن أردت، ثم قال له: اشتره منها، قال قد فعلت فأبت فقال: أشهد على ما قلت لك من صفته ومعرفته، وأكتب بذلك كتابا وأستاني به أن تبيعك إياه أو تشتريه منك.
قال محمد بن رشد: أجاز مالك في هذه المسألة للرجل أن يشتري من المرأة ما أمْتَعَهَا إياه حياتَها، ولها أن تشتري منه مرجع ذلك، فيصح لكل واحد منهما بالشراء مِلْكُ الأصل وينفرد به؛ ولا خلاف في جوَاز شرائه هو لِمَا أمتع المرأة، وإنما الاختلاف في جواز شراء المرأة للمرجع على ما ذكرناه في رسم شك من الاختلاف في تأويل ما وقع في رسم البيوع الأول من سماع أشهب هل هو خلاف لسائر الروايات أو يفرق بين المسألتين، وقد مضى الكلام على ذلك مستوفى فلا معنى لإِعادته وباللَّه التوفيق.

.مسألة كانت لهم دار حبس فباعوها وأدخلوها في المسجد:

وسئل عن قوم كانت لهم دار حُبُسٌ فباعوها وأدخلوها في المسجد، قال: أرى أن يشتروا بالذهب دارا أخرى يجعلونها في صدقة أبيهم، قيل له أفيقضي عليهم بذلك؟ قال: لا، إلَّا أن يتطوعوا، فقيل له أفترى لهم أن يشتروا بها دارا؟ قال: نعم، إني لأرى ذلك لهم.
قال محمد بن رشد: قولُه وأدخلوها في المسجد يدل على أن ذلك جائز في كل مسجد، مثل ما في نوازل سحنون بعد هذا من هذا الكتاب خلافُ ما حكى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ من أن ذلك لا يجوز إِلَا في مساجد الجوامع إذا احتيج إلى ذلك، وأما مسجد الجماعات فلا، إذ ليست الضرورةُ في ذلك مثلَ الجوامع، وفي النوادر لمالك أن ذلك في كل مسجد مثل ظاهر هذه الرواية، وقولُ سحنون في نوازله وقولُ مالك إنه لا يقضي عليهم أن يشتروا بالثمن دارا يجعلونها حُبسا كما كانت التي باعوا هو قولُ ابن القاسم، وقال ابنُ الماجشون يقضي بذلك عليه، ولو استحقت فأخذ فيها ثمنا فإنه يصنع فيه ما شاء، قاله مالك وابن القاسم، وظاهر قوله فباعوها وأدخلوها في المسجد أنهم طاعوا بذلك وفعلوه باختيارهم، وقد اختلف الشيوخ المتأخرون إذا أبَوا من ذلك في المسجد، فقال أكثرهم تؤخذ منهم بالقيمة جبْرا على ما أحَبوا أو كرهوا، وهو الذي يأتي على قياس قول مالك في هذه الرواية وما روى عن ابن القاسم أيضا من أنه لا يحكم عليهم بجعل الثمن في دار أخرى تكون حبسا مكانها لأنه إذا كان الحق يوجب أن تؤخذ منهم بالقيمة جَبْرا صار ذلك كالاستحقاق الذي يبطل الحبس، فلا يجب صرف الثمن المأخوذ فيه في حبس مثله، ويأتي على قياس قول ابن الماجشون إنه يقضي عليهم أن يجعلوا الثمن الذي باعوها به في دار أخرى تكون حبسا مكانَها أنه لا يقضي عليهم ببيعها إذا أبَوا؛ لأنهم إذا باعوها باختيارهم في موضع لا يحكم عليهم به لو امتنعوا منه كان الحكمُ عليهم بصرف الثمن في دار تكون حبسا مكانَها واجبا لما في ذلك من الحق لغيرهم إن كان الحبس معقبا، وكذلك إن كان عليهم بأعيانهم على القول بأنها ترجع بعدهم إلى أقرب الناس بالمُحَبِّسُ حبسا وقد روى أبو زيد عنه في الثمانية أنه يقضي عليهم ببيعها ليتوسع بها في المسجد الجامع، فقولُه إنه يقضي عليهم بجعل الثمن في دار تكون حبسا مكانها ليس على أصله، فلعله إنما قال إنه يقضي عليهم بذلك فيما عدى المسجد الجامع من المساجد، ومن مذهبه أنه لا يقضي عليه ببيعها إلا في المسجد الجامع وبالله التوفيق.

.مسألة بقرات أوصى بهن رجل أن يقسم ألبانها في المساكين:

وسئل مالك عن بقرات أوصى بهن رجلٌ أن يقسم أَلْبَانُها في المساكين كيف يُصْنَعُ بها إن ولدت، قال: ما ولدت من أنثى كان كسبيلها يحبس معها، وما ولدت من ذكر حُبِّسَ لنزوها، فإن كثر الذكور عن نزوها بيع ما فضل عن ذكورها واشترى به إناث فزيد فيها، وما كبرت من أنثى حتى ينقطع لبنها بيعت فردت فيها، فاشترى بها إناثا يرد ما يباع منها فيها من ذكورها وما كبر من إناثها في إناث يجعلهن معها وفي مصلحتها في عُلُوفَتها يعمل فيها كما يعمل الرجل في ماله، إلَّا أنه لا يباع من إناثها شيء له منفعة، وما بيع من فضل ذكورها وكبار إناثها رُدَّ في إناث تشترى معها وفي علوفتها.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة جيدة حسنة صحيحة على معنى ما في المدونة من أن ما ضعف من الدواب المحبَّسة في سبيل الله أو بَلِيَ من الثياب حتى لم يكن في الدواب قوة للغزو، ولا في الثياب منفعة، فإن ذلك يباع ويشترى بثمن الدواب غيرُه من الخيل فيجعله في السبيل، فإن لم يبلغ ذلك ما يشتري به فرسا أو هجينا أو برذونا أعين به في ثمن فرس، ويشتري بثمن الثياب ثيابا ينتفع بها، وإن لم يبلغ ذلك ما يشتري شيء ينتفع به فُرِّقَ في السبيل، خلافُ ما روى غيره من أن ما جُعِلَ في سبيل الله من العبيد والثياب لا يباعُ، وقال: لو بيعت لبيع الربْعُ المحبس، وهو مذهب ابن الماجشون أن من تصدق على قوم بغلام له صدقة محرمة فلا يجوز إن كبر فتخلف وكثرت سرقاته وإباقه أن يباع ويشترى بثمنه غيره يكون مكانه على مثل ما كان عليه من التحريم والحبس، إلا أن يكون شرط ذلك في تحريم صدقته، قال: وكذلك لو تصدق بالبعير أو التيس من غنمه للضراب صدقة محبسة فلا يجوز إنْ كَبِرُوا فانقطع ضرابهم أن يباعوا ويشتري بثمنهما غيرُهما إلا أن يكون شرط المتصدق ذلك في أصل تحريم صدقته وموضع الخلاف في ذلك إنما هو في بيع ما كثر من الذكور عن نزوها ليشتري به إناثا لها دَرُّ وفي بيع ما كبر من الإِناث فانقطع درُها ليشتري به إناثا لها دَرُّ وأما بيع ما كثر من الذكور عن نزوها أو كبر من الإناث فانقطع درها فيما يلزم من علوفتها والقيام عليها في رعيها فلا اختلاف في جواز ذلك.
لأن الأحباس في جواز بيعها والاستبدال منها إذا انقطعت المنفعة منها تنقسم على ثلاثة أقسام قسم يجوز بيعه باتفاق، وهو ما انقطعت منفعته ولم يرج أن يعود وفي إبقائه ضرر، مثلُ الحيوان الذي يحتاج إلى الإِنفاق عليه ولا يمكن أن يستعمل في نفقته، فيضر الإِنفاق عليه بالمحبَّس عليه أو ببيت المال إن كان محبسا في السبيل أو على المساكين، وقسم لا يجوز بيعه باتفاقَ وهو ما يرجى أن تعود منفعته ولا ضرر في بقائه، وقسم يختلف في جواز بيعه والاستبدال به، وهو ما انقطعت منفعته فلم يرج أن يعود ولا ضرر في إبقائه، وَخَرَابُ الربع المحبس الذي اختلف في جواز بيعه من هذا القسم وبالله التوفيق.

.مسألة حبس حبسا على ذكور ولده لا يباع ولا يورث حتى يرثها الله فانقرض ذكور ولده:

ومن كتاب أوله: سنّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ:
وسئل مالك عن رجل حبس حبسا على ذكور ولده لا يباعِ ولا يورث حتى يرثها الله، فانقرض ذكورُ ولده، قال: أراها حبساَ على بنات ذكور ولده وعلى العصبة إِلَّا أَلَّا يكون فيها سعة، فيكون بنات ذكور ولده أحق بها يُبَدَّيْنَ على العصبة إن لم يكن لهم فيها سعة.
قال محمد بن رشد: قوله إنها ترجع حبسا بعد انقراض ذكور ولده، صحيح لا اختلاف فيه، لوجهين: أحدهما: أن ذكور ولده غير معينين لأنه يدخل في ذكور ولده ذكور ولد ولده ما سفلوا، والثاني قوله لا يباع ولا يورث حتى يرثها الله، ولو قال: لا تباع ولا تورث ما عاشوا أو حتى ينقرضوا لرجعت إليه بعد انقراضهم ملكا مطلقا ولورثته إن كان قد مات، ولو قال ما عاشوا أو حتى ينقرضوا، ولم يقل لا تباع ولا تورث لرجعت إليه ملكا مطلقا عند مطرف، وقد مضى هذا المعنى مستوفى في أول رسم من السماع فلا معنى لِإعادته.
وقوله: إنها ترجع حبسا على بنات ذكور ولده وعلى العصبة معناه إذا لم يكن له بنات لصلبه؛ لأن بناته أقرب إليه من بنات بنيه، وقد مضى في أول رسم من السماع ذكر من يرجع إليه الحبس حبسا بعد انقراض المحبَّس عليهم وما في ذلك من الاِختلاف في النساء فلا معنى لإِعادته وبالله التوفيق.

.مسألة اتخاذ المساجد على القبور:

قال ابن القاسم في اتخاذ المساجد على القبور: إنما أَكْرَهُ من ذلك هذه المساجد التي تبنى عليها، فأما لو أن مقبرة عفت فبنى قوم عليها مسجدا فاجتمعوا للصلاة فيه لم أر بذلك بأسا.
قال محمد بن رشد: إنما كره اتخاذ المساجد على القبور صيانة لها لئلا يكون ذلك ذريعة إلى الصلاة عليها، وقد قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللَهَم لاَ تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنا بَعْدِي يُعْبَدُ اشْتَدَ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» وأما إذا عفت المقبرة وانقطع الدفن فيها فلا بأس أن يبني عليها مسجد للصلاة فيه؛ لأن المسجد والمقبرة حبسان على المسلمين لصلاتهم ودفن موتاهم، فلا بأس أن يستعان ببعض ذلك في بعض وينقل بعضه إلى بعض على أنفع ذلك لهم وأرفقه بهم وأحوجه ما هم إليه، قال ذلك ابن الماجشون في الواضحة، وإذا بنى المسجد على المقبرة لم يتناول المُصَلِّي فيه نهيُ النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ عن الصلاة في المقبرة عند من حمل الحديث على عمومه في جميع المقابر من أهل الحديث؛ لأنها قد خربت من أن تكون مقبرة وتحولت إلى ما تحولت إليه من كَوْنها مسجدا والدليل على ذلك ما جاء من أنه كان في الموضع الذي بنى فيه النبيُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قُبُورٌ للمشركين فأمر بها فَنُبِشَت، وقد روى أبو المصعب عن مالك كراهية الصلاة فيها للحديث، وهذا الذي ذهب إليه عبد الوهاب قال: تُكْرَهُ الصلاة فيها، إلا أن تكون فيها نبش؛ فلا تجوز الصلاة فيها، والمشهور المعلوم من مذهب مالك إجازة الصلاة فيها إما لأن الحديث لم يصح عنده، وإما لأنه حمله على أن المراد به مقابر المشركين كما فعل ابنُ حبيب وبالله التوفيق.

.مسألة بنت الابن تسمى بنتا ولها حكم البنت في الميراث إذا لم يكن للميت ابن:

ومن كتاب أوله: أخذ يشرب خمرا:
قال: وسئل عن رجل حبس حبسا وحبس على ابنين له منزلا بعينه وقال في حبسه: وما كان لي من ابنة فهي معهما في حبسهما، أترى بنات ابنه يدخلن معهما في ذلك الحبس الذي لابنيْه؟ قال:
قال مالك: نعم، أرى أن يدخلن في ذلك.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، ومثلُه من قوله في رسم العشور من سماع عيسى بعد هذا: وذلك لأن بنت الِابن تسمى بنتا ولها حكم البِنْتِ وفي الميراث إذا لم يكن للميت ابن ذكر ولا أنثى، بخلاف بنت الاِبنة لأنها وإن كانت تسمى ابنة بدليل قول النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ في الحسن: «إن ابني هذا سيد» فليس لها حكم البنت في النسب ولا في الميراث وبالله التوفيق.

.مسألة يفلس وله أم ولد ومدبرون ولهم أموال:

وسئل مالك عمن تصدق على ابنتين بدار على وجه الحبس وكتب لهما في كتاب صدقته، قال: إن شاءتا باعتا، وإن شاءتا أمسكتا، فَرَهَقَ ابنتيه دين كثير دَايَنَتَا به الناس، فقام عليهما الغرماء فقالوا: نحن نبيع الدار قد كتب أبوكما في صدقته إن شئتما بعتما، وإن شئتما أمسكتما، قال مالك: صَدَقوا ذلك لهم أن يبيعوا الدار حتى يستوفوا حقوقهم.
قال محمد بن رشد: لمالك في كتاب ابن المواز خلافُ قوله هذا إنه ليس للغرماء ذلك، وهو الذي يأتي على مَالَهُ في كتَاب التفليس من المدونة في الرجل يُفَلَّسُ وله أم ولد ومدبرون ولهم أموال، أنه ليس للغرماء أن يجبروه على أن يأخذ أموالهم فيقضيها إياهم، ولا لهم أن يأخذوها إلا أن يشاء هو أن يفعل ذلك وبالله التوفيق.

.مسألة تغير ما حبسه في مرضه:

وسئل عن رجل حبس حبسا في مرضه دارا له وجعلها بعد حبسه في سبيل الله حبسا، فأراد أن يغير ذلك في مرضه أذلك له؟ قال: نعم، ذلك له.
قال محمد بن رشد: قوله إن له أن يغير ذلك في مرضه، يريد فينفذ تغيره ويبطل الحبس إن مات من مرضه ذلك، وأما إن صح فيلزمه الحبس ويُحْكَمُ به عليه وإن كان قد رجع عنه وغيره في مرضه، ووجه ذلك أنه لما كان الحبس لا ينفذ إن مات من مرضه ذلك إلَّا من الثلث حكم له بحكم الوصية في أن له أن يرجع فيه، فعلى قياس هذا إن مات من مرضه قبل أن يغير حبسه وقد أوصى بوصايا مال، فلم يحمل ذلك ثُلُثُه تَحَاصا في الثلث ولم يُبَدَّأ الحبس المبتل في المرض على الوصية بالمال، وهذا أصل قد اختلف فيه قولُ مالك فيمن بَتَلَ عتق عبد له في مرضه وأوصى بعتق عبد له آخر، فروى ابن القاسم وابن وهب عن مالك أن المبتل في المرض يُبَدّأ على الموصى بعتقه، وأخذ بذلك ابن القاسم وابن وهب وابن عبد الحكم وابن دينار، وإياه اختار محمد بن المواز فعلى هذا لا يجوز للمريض تغير ما حَبَّسَهُ في مرضه ولا ما بَتَّلَ عتقه فيه، وروى أشهب عن مالك أنهما يتحاصان المبتل في المرض والموصى بعتقه فيه، قال أشهبُ وإنما ذلك عندي بمنزلة ما لو أوصى بعتق عبدين له في مرضه، ثم قال في أحدهما: إن صححت من مرضي فهو حر، فمات من مرضه، أنهما يتحاصان، وقال محمد بن المواز: أما هذا فكما قال، ولا يشبه ذلك أن يوصي بعتق أحدهما ويبتل عتق الآخر في مرضه، بأن يقول له: أنت حر بَتْلا عشت أو مت، وقد قال لي بعض أصحاب مالك: إن مالكا رجع إلى هذا القول، وعليه لقي الله عز وجل، فقولُهُ في هذه الرواية له أن يغير حبسه الذي حبسه في مرضه يأتي على قول مالك هذا الذي رَجَعَ إليه من أنهما يتحاصان ولا يُبدَأُ المبتل في المرض على الموصي بعتقه، وبالله سبحانه وتعالى التوفيق.

.مسألة حبس على ولده فلا يدخل في حبسه أولاد البنات:

ومن كتاب أوله: يسلف في المتاع والحيوان:
وسئل مالك عن حائط كان صدقة فلم يزل ذلك يجري على ولده للذكر مثل حظ الأنثيين فتزوج الرجل منهم المرأة ثم يموت فتذهب المرأة ولا حق لها وتتزوج المرأة من بناته ثم تموت فيذهب ولدها ولاحق لهم ويرجع نصيبها على من بقي من ولده، فلم يزل ذلك حتى بقي بَعْدُ امرأةٌ ورجلٌ فكانا يأخذان للذكر مثل حظ الأنثيين، ثم مات الرجل فصارت للمرأة الصدقة تأخذها كلها، ثم هلكت وتركت أولادا، وَشَهِدَ رجالٌ بالسماع أنهم لم يزالوا يسمعون أنها صدقة، هل ترى لولد المرأة في ذلك حقا؟ قال مالك: لا، ولكن ترجع إلى الأقرب فالأقرب من عصبة المتَصَدِّقِ حُبُسا عليهم، قال عيسى: قلت لابن القاسم: لم كانت للذكر مثل حظ الأنثيين؟ قال: اشترط ذلك.
قال محمد بن رشد: قولُه: وسئل عن حائط كان صدقة فلم يزل ذلك يجري على ولده معناه: وسئل عن حائط كان صدقة تصدق به رجل على ولده فلم يزل ذلك يجري على ولده للذكر مثل حظ الأنثيين، وقوله: وشهد رجال بالسماع أنهم لم يزالوا يسمعون أنها صدقة معناه: لم يزالوا يسمعون أنها صدقة يتصدق بها ذلك الرجل حبسا صدقة على ولده، هل ترى لولد المرأة في ذلك حقا؟ فقال: لا، وذلك على مذهبه الذي يختلف فيه قولُه أن من حبس على ولده فلا يدخل في حبسه أولاد البنات إذ ليسوا بولد لهم حكم الولد في الميراث والنسب؛ لأنهم وإن كانوا في حكم ولده في حقيقة التسمية في اللغة فهم ولد رجل آخر في التسمية والميراث والنسب، فهو بهم أولى.
وقوله: إنها ترجع إلى الأقرب فالأقرب من عصبة المتَصَدِّق حبسا عليهم صحيح بين لا اختلاف فيه؛ لأنه حبس على غير معينين فلا ترجع إلى المحبس ملكا في قول مالك وأصحابه أجمعين، إلَّا أن يقول ما عاشوا فترجع إليه ملكا على قول مطرف منهم خاصة، وقد مضى هذا في أول رسم وفي غيره من المواضع وبالله التوفيق.

.مسألة قال داري حبس على امرأتي ما عاشت فلم يجز ذلك الورثة:

قال ابن القاسم في رجل قال داري حبس على امرأتي ما عاشت فلم يُجِزْ ذلك الورثة، قال: ترجع ميراثا على فرائض الله إن شاءوا باعوا، وإِن شاءوا أمسكوا.
قال محمد بن رشد: معنى هذه المسألة إذا حبس الدار عليهما ما عاشت في مرضه الذي توفي منه أو أوصى بذلك، وقوله: إنها ترجع ميراثا على فرائض الله إذا لم يُجِز ذلك الورثةُ معناه على أحد قولي مالك في أن الحبس على معين يرجع بعد انقراض المحبس عليه إلى المحبس ملكا أو إلى ورثته بعده، وأما على قوله الآخر إنها ترجع إلى أقرب الناس بالمحبس حبسا ولا ترجع إليه ملكا مطلقا فإذا لم يُجِز ذلك الورثةُ يدخلون معها في سكنى الدار حياتها، فإذا ماتت رجعت الدار إلى أقرب الناس بالمحبس حبسا وسقط حقهم فيها، ولو أسكنها في مرضه الدار ما عاشت أو أوصى لها بذلك لرجعت إذا لم يُجِز الورثة ميراثا باتفاق والله الموفق.

.مسألة قال داري هذه حبس على امرأتي ما عاشت وبقية ثلثي لفلان وثلث الدار:

قيل لابن القاسم: فإن قال داري هذه حبس على امرأتي ما عاشت وبقية ثلثي لفلان وثلث الدار، قال ابن القاسم: يقال للورثة أسلموا لامرأته ما حبس عليها، فإن قالوا: لا، فهم معها على فرائض الله يسكنون، فإذا انقرضت امرأته صارت الدار لِلذي أوصى له ببقية الثلث فإن أسلموا لامرأته الدار لم يكن للذي أوصى له ببقية الثلث شيءٌ حتى تموت امرأته فإذا ماتت المرأة أخذ الذي أوصى له ببقية الثلث الدارَ، قال ابن القاسم: وسواء عليه قال في هذا الموضع. حُبسا أو سكنى.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة يُبَينها ما ذكرناه في المسألة التي فوقها، وقول ابن القاسم في آخرها: وسواء عليه، قال في هذا الموضع حبسا أو سكنى صحيح؛ لأنه قد بين المرجع ونص عليه بقوله وبقية ثلثي لفلان فلا يدخل في هذه المسألة اختلافُ قول مالك فيمن حبس على معين هل يرجع الحبس إليه أو إلى أقرب الناس به حبسا عليهم، كما دخل في المسألة التي فوقها. وباللَه التوفيق.

.مسألة أسكن دارا له أجنبيا حياته ثم مات الذي أسكن:

قال ابن القاسم: وإن أسكن دارا له أجنبيا حياته ثم مات الذي أسكن رجعت ميراثا لأقرب الناس بالمُسْكِنِ يوم مات المسكن، وإن حبس على أجنبي حياته ثم مات الذي حبس عليه رجعت حبسا على أقرب الناس بالمحبس يوم ترجع.
قال محمد بن رشد: أما إذا أسكن دارا له أجنبيا حياته فلا اختلاف ولا إشكَال في أنها ترجع إلى المُسْكِن ملكا يوم مات المُسْكَن، وأما إذا حبس على أجنبي حياته ثم مات الذي حبس عليه، فقيل إنها ترجع إلى المحبس ملكا مطلقا، وقيل إنها ترجع إلى أقرب الناس به حبسا عليه، اخْتَلَفَ في ذلك قولُ مالك، فقوله في هذه المسألة رجعت حبسا على أقرب الناس بالمحبس يوم ترجع يريد على أحد قولي مالك، وهذه المسألة تبين أنه لا فرق إذا حبس على معين بين أن يقول حياتَه أو يسكت عن ذلك في إن اختلاف قول مالك يدخل في ذلك دخولا واحدا خلافُ ما ذهب إليه محمد بن المواز من أنه إذا حبس على معين وقال حياتَه أو سمى أجَلا خرجت المسألة من الخلاف حسبما ذكرناه عنه في أول رسم من السماع وباللَّه التوفيق.

.مسألة حبس داره على مواليه ثم هلكت:

ومن كتاب الشريكين يكون لهما مال:
قال: وسألت مالكا عن رجل حبس داره على مواليه ثم هلكت فقام موالي الموالي فقالوا: نحن معكم، وقال الموالي: نحن أحق بها، قال: أراهم كلَّهُم فيها وأراها حبسا على الموالي وموالي الموالي يدخلون معهم.
قال محمد بن رشد: قولُه أراهم كلهم فيها ظاهرُه أنه لا يؤثر الأقرب منهم على الأبعد إذا استوت حاجتهم، وذلك ما مضى في أول رسم من السماع، وكذلك اختلف أيضا في تفضيل الآباء على الأبناء حسبما مضى تحصيل القول فيه في أول رسم من السماع فلا معنى لإعادته وبالله التوفيق.